الشيخ محمد علي الأنصاري

23

الموسوعة الفقهية الميسرة

ماله ونفسه ، وكالاعتراف بالبيع كوسيلة لنقل الثروة ، لكنّها جعلت له شروطا لم تكن موجودة عند العرف كأن يكون المبيع مملوكا ومعلوما ، والبائعان عاقلين مختارين ، وأمثال ذلك . وينبغي أن نلفت النظر إلى أنّ العرف ليس مصدرا للتشريع - كما يتوهّمه البعض - بل التشريع للّه تعالى ، ولمن ارتضاه ، أحيانا . نعم الشريعة قد تقرّر ما هو الموجود عند العرف ، وهذا ليس بمعنى جعل العرف مصدرا للتشريع ، بل إرجاع إليه في تشخيص موضوعات الأحكام من ناحية مفهوميّة أو مصداقيّة ، مثل معرفة الغناء من الناحيتين المفهوميّة والمصداقيّة ، أو تغيّر الماء أو تشخيص الضرر الذي يرتفع به الحكم الأوّلي ، وأمثال ذلك . كانت هذه الملامح العامّة للقواعد التي جعلت الشريعة مرنة يمكن ادّعاء قدرتها على حلّ مشاكل الإنسان ، والتفصيل موكول إلى مجال آخر . والذي تجدر إليه الإشارة هو : أنّ حدود هذه الانقسامات أمر دقيق جدّا ، وربّما التبس على بعضهم فأخذ يتخبّط تخبّطا عشوائيّا حتّى أوقعه ذلك في بعض الشبهات ، فادّعى : أنّ غالب الأحكام الشرعيّة متغيّرة ولم يوجد من الأحكام الثابتة إلّا القليل ، فاشتبه الأمر عليه بين الأحكام الثابتة والمتغيرّة ، وبين الأحكام الأوّليّة والثانويّة ، فإنّ الأحكام الإلهيّة الثابتة - وهي كثيرة جدّا - تكون لها أحكام أوليّة وثانوية ، فحرمة الخمر من الأحكام الثابتة ، ولا يجرأ أحد أن يدّعي - يوما ما - حليتها شرعا ، ولكن هذه الخمر قد تصير حلالا بسبب الاضطرار أو الإكراه أو غير ذلك من العوامل التي تغيّر الحكم من الحكم الأولي إلى الثانوي ، وقس على ذلك غيرها . وقد توهّم بعضهم إمكان تغيير الحكم الأولّي إلى الثانوي بمجرد الاستحسانات الواهية ، وهذا فيه من الخطورة ما لا يخفى على من له أدنى معرفة بالشريعة المقدسة ، والاعتراف بمثل هذه الرؤية لا يبقي حجرا على حجر .